ما يفعله (المعتمر) عند وصوله إلى الميقات -
إذا وصل (المعتمر) إلى الميقات (فعل الآتي) :
1) استحب له أن يغتسل ويتطيب لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد من المخيط عند الإحرام واغتسل ولما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : "كنت أُطيّب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يُحرِم ولِحلِّه قبل أن يطوف بالبيت" وأمر عائشة لما حاضت وقد أحرمت بالعمرة أن تغتسل وتحرم بالحج وأمر صلى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس لما ولدت بذي الحليفة أن تغتسل وتستثـفر بثوب وتحرم . فدل ذلك على أن المرأة إذا وصلت إلى الميقات وهي حائض أو نفساء أن تغتسل وتحرم مع الناس وتفعل ما يفعله الحاج غير الطواف بالبيت كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وأسماء بذلك .
2) يستحب لمن أراد الإحرام أن يتعاهد شاربه وأظفاره وعانته وإبطيه فيأخذ ما تدعو الحاجة إلى أخذه لئلا يحتاج إلى أخذ ذلك بعد الإحرام وهو مُحَرَّمٌ عليه . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم شرع للمسلمين تعاهد هذه الأشياء في كل وقت كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الفطرة خمس : الختان والاستحداد وقص الشارب وقلم الأظفار ونتف الآباط" وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال وُقِّتَ لنا في قص الشارب وقلم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك ذلك أكثر من أربعين ليلة وأخرجه النسائي بلفظ : وَقَّتَ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي بلفظ النسائي . وأما الرأس فلا يشرع أخذ شئ منه عند الإحرام لا في حق الرجال ولا في حق النساء . وأما اللحية فيحرم حلقها أو أخذ شئ منها في جميع الأوقات بل يجب إعفاؤها وتوفيرها لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب" وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس" وقد عظمت المصيبة في هذا العصر بمخالفة كثير من الناس هذه السنة ومحاربتهم لِلحى ورضاهم بمشابهة الكفار والنساء ولا سيما من ينتسب إلى العلم والتعليم فإنا لله وإنا إليه راجعون ونسأل الله أن يهدينا وسائر المسلمين لموافقة السنة والتمسك بها والدعوة إليها وإن رغب عنها الأكثرون وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
3) يلبس الذكر إزاراً ورداءاً ويستحب أن يكونا أبيضين نظيفين ويستحب أن يحرم في نعلين لقول النبي صلى الله عليه وسلم "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" .
وأما المرأة فيجوز لها أن تحرم في ما شاءت من أسود أو أخضر أو غيرها مع الحذر من التشبه بالرجال في لباسهم .
4) بعد الفراغ من الغسل والتنظيف ولبس ثياب الإحرام ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ، ويشرع له التلفظ بما نوى فإن كانت نيته العمرة قال { لبيك عمرةً } أو { اللهم لبيك عمرةً } ، وإن كانت نيته الحج قال { لبيك حجاً } أو { اللهم لبيك حجاً } لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، والأفضل أن يكون التلفظ بذلك بعد استوائه على مركوبه من دابة أو سيارة أو غيرهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أهل بعد ما استوى على راحلته وانبعثت به من الميقات للسير . هذا هو الأصح من أقوال أهل العلم . ولا يشرع له التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصة لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأما الصلاة والطواف وغيرهما فينبغي له أن لا يتلفظ في شئ منها بالنية فلا يقول : نويت أن أصلي كذا وكذا ولا نويت أن أطوف كذا بل التلفظ بذلك من البدع المحدثة والجهر بذلك أقبح وأشد إثماً ولو كان التلفظ مشروعاً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم وأوضحه للأمة بفعله أو قوله ولسبق إليه السلف الصالح فلما لم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم علم أنه بدعة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" أخرجه مسلم في صحيحه .
5) إن خاف المحرم أن لا يتمكن من أداء نسكه لكونه مريضاً أو خائفاً من عدو ونحوه استحب له أن يقول عند إحرامه "فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" لحديث ضباعة بنت الزبير رضي الله عنها أنها قالت يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني" . وفائدة هذا الشرط أن المحرم إذا عرض له ما يمنعه من تمام نسكه من مرض أو صد عدو جاز له التحلل ولا شئ عليه (و) "إذا كان لم يشترط ثم حصل عليه حادث يمنعه من التمام إن أمكنه الصبر لعله يزول أثر الحادث ثم يكمل صبر وإن لم يتمكن من ذلك فهو محصر على الصحيح والله قال في المحصر :{ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } (196) سورة البقرة والصواب أن الإحصار يكون بالعدو ويكون بغير العدو فيهدي ويحلق أو يقصر ويتحلل هذا هو حكم المحصر يذبح ذبيحة في محله الذي أحصر فيه سواء كان في الحرم أو في الحل ويعطيها للفقراء في محله ولو كان خارج الحرم فإن لم يتيسر حوله أحد نقلت إلى فقراء الحرم أو إلى من حوله من الفقراء أو إلى فقراء بعض القرى ثم يحلق أو يقصر ويتحلل فإن لم يستطع الهدي صام عشرة أيام ثم حلق أو قصر وتحلل" .
ما يفعله (المعتمر) عند دخوله مكة والمسجد الحرام
إذا وصل المحرم إلى مكة (فعل الآتي) :
1) استحب له أن يغتسل قبل دخولها لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك .
2) إذا وصل إلى المسجد الحرام سن له تقديم رجله اليمنى ويقول "بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم اللهم افتح لي أبواب رحمتك" .
ويقول ذلك عند دخول سائر المساجد وليس لدخول المسجد الحرام ذكر يخصه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أعلم .
( الطواف )
تنبيهات مهمة قبل الشروع في الطواف
1) يكون (المحرم) حال الطواف متطهراً من الأحداث والأخباث خاضعاً لربه متواضعاً له .
2) إن حاضت المرأة أو نفست بعد إحرامها بالعمرة لم تطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تتطهر ، فإذا تطهرت طافت وسعت وقصرت من رأسها وتمت عمرتها بذلك .
3) لا يشرع الرمل والاضطباع في غير هذا الطواف ولا في السعي ولا للنساء لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل الرمل والاضطباع إلا في طوافه الأول الذي أتى به حين قدم مكة .
4) لا يجب في هذا الطواف ولا غيره من الأطوفة ولا في السعي ذكر مخصوص ولا دعاء مخصوص . وأما ما أحدثه بعض الناس من تخصيص كل شوط من الطواف أو السعي بأذكار مخصوصة أو أدعية مخصوصة فلا أصل له .
5) لا بأس بالطواف من وراء زمزم والمقام ولا سيما عند الزحام والمسجد كله محل للطواف ولو طاف في أروقة المسجد أجزأه ذلك . ولكن طوافه قرب الكعبة أفضل إن تيسر ذلك .
6) إن شك في عدد الأشواط بنى على اليقين وهو الأقل فإذا شك هل طاف ثلاثة أشواط أو أربعة جعلها ثلاثة وهكذا يفعل في السعي .
7) مما ينبغي إنكاره على النساء وتحذيرهن منه طوافهن بالزينة والروائح الطيبة وعدم التستر وهن عورة . فيجب عليهن التستر وترك الزينة حال الطواف وغيرها من الحالات التي يختلط فيها النساء مع الرجال لأنهن عورة وفتنة . ووجه المرأة هو أظهر زينتها فلا يجوز لها إبداؤه إلا لمحارمها . لقول الله تعالى {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } (31) سورة النــور. فلا يجوز لهن كشف الوجه عند تقبيل الحجر الأسود إذا كان يراهن أحد من الرجال وإذا لم يتيسر لهن فسحة لاستلام الحجر وتقبيله فلا يجوز لهن مزاحمة الرجال ، بل يطفن من ورائهم وذلك خير لهن وأعظم أجراً من الطواف قرب الكعبة حال مزاحمة الرجال .
( صفة الطواف )
إذا وصل (المحرم) إلى الكعبة قطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف إن كان متمتعاً أو معتمراً ثم قصد الحجر الأسود واستقبله ثم يستلمه بيمنه ويقبله إن تيسر ذلك ولا يؤذي الناس بالمزاحمة ويقول عند استلامه بسم الله والله أكبر أو يقول "الله اكبر" . فإن شق التقبيل استلمه بيده أو بعصا أو نحوهما وقبل ما استلمه به . فإن شق استلامه أشار إليه وقال الله أكبر ولا يقبل ما يُشير به . ويشترط لصحة الطواف أن يكون الطائف على طهارة من الحدث الأصغر والأكبر لأن الطواف مثل الصلاة غير أنه رخص فيه في الكلام . ويجعل البيت عن يساره حال الطواف وإن قال في ابتداء طوافه ، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم فهو حسن لأن ذلك قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ويطوف سبعة أشواط ويرمل في جميع الثلاثة الأُول من الطواف الأول ، وهو الطواف الذي يأتي به أول ما يقدم مكة سواء كان معتمراً أو متمتعاً أو محرماً بالحج وحده أو قارناً بينه وبين العمرة . ويمشي في الأربعة الباقية يبتدئ كل شوط بالحجر الأسود ويختم به . والرّمل هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخُطى . ويستحب له أن يضطبع في جميع هذا الطواف دون غيره . والاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر . ويستحب له أن يكثر في طوافه من ذكر الله والدعاء وإن قرأ فيه شيئاً من القرآن فحسن . فإذا حاذى الركن اليماني استلمه بيمينه وقال : { بسم الله والله أكبر } ولا يقبله فإن شق عليه استلامه تركه ومضى في طوافه ولا يشير إليه ولا يكبر عند محاذاته لأن ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم . ويستحب له أن يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(201) سورة البقرة .
وكلما حاذى الحجر الأسود استلمه وقبله وقال { الله أكبر } . فإن لم يتيسر استلامه وتقبيله أشار إليه كلما حاذاه وكبر . وبعد فراغه من هذا الطواف يرتدي بردائه فيجعله على كتفيه وطرفيه على صدره قبل أن يصلي ركعتي الطواف .
فإذا فرغ من الطواف صلى ركعتين خلف المقام إن تيسر ذلك وإن لم يتيسر ذلك لزحام ونحوه صلاهما في أي موضع من المسجد ، ويسن أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة "قل يا أيها الكافرون" في الركعة الأولى و "قل هو الله أحد" في الركعة الثانية هذا هو الأفضل وان قرأ بغيرهما فلا بأس ثم يقصد الحجر الأسود فيستلمه بيمينه إن تيسر ذلك اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك .
(صفة السعي)
ثم يخرج (المحرم) إلى الصفا من بابه فيرقاه أو يقف عنده والرقي على الصفا أفضل إن تيسر ويقرأ عند بدء الشوط الأول قوله تعالى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (158) سورة البقرة ، ويستحب أن يستقبل القبلة على الصفا ويحمد الله ويكبره ويقول :لا إله إلا الله والله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شئ قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده . ثم يدعو بما تيسر من الدعاء ، رافعاً يديه ويكرر هذا الذكر والدعاء ثلاث مرات ، ثم ينزل فيمشي إلى المروة حتى يصل إلى العلم الأول فيسرع الرجل في المشي إلى أن يصل إلى العلم الثاني . أما المرأة فلا يشرع لها الإسراع بين العلمين لأنها عورة وإنما المشروع لها المشي في السعي كله .ثم يمشي فيرقى المروة أو يقف عندها والرقي عليها أفضل إن تيسر ذلك ويقول ويفعل على المروة كما قال وفعل على الصفا ماعدا قراءة الآية وهي قوله تعالى{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ } (158) سورة البقرة فهذا إنما يشرع عند الصعود إلى الصفا في الشوط الأول فقط تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم . ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسرع في موضع الإسراع حتى يصل إلى الصفا ، يفعل ذلك سبع مرات ذهابه شوط ورجوعه شوط . لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ما ذكر وقال "خذوا عني مناسككم" ويستحب أن يكثر في سعيه من الذكر والدعاء بما تيسر وأن يكون متطهراً من الحدث الأكبر والأصغر . ولو سعى على غير طهارة أجزأه ذلك . وهكذا لو حاضت المرأة أو نفست بعد الطواف سعت وأجزأها ذلك ، لأن الطهارة ليست شرطاً في السعي وإنما هي مستحبة كما تقدم.
فإذا كمل السعي حلق رأسه أو قصره والحلق للرجل أفضل ، فإن قصر وترك الحلق للحج فحسن وإذا كان قدومه مكة قريباً من وقت الحج فالتقصير في حقه افضل ليحلق بقية رأسه في الحج لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم هو وأصحابه مكة في رابع ذي الحجة أمر من لم يسق الهدي أن يحل ويقصر ولم يأمرهم بالحلق . ولا بد في التقصير من تعميم الرأس ولا يكفي تقصير بعضه كما أن حلق بعضه لا يكفي ، والمرأة لا يشرع لها إلا التقصير والمشروع لها أن تأخذ من كل ضفيرة قد أنملة فأقل والأنملة هي رأس الإصبع ولا تأخذ المرأة زيادة على ذلك . فإذا فعل المحرم ما ذكر فقد تمت عمرته والحمد لله ، وحل له كل شئ حرم عليه بالإحرام .